محمد نبي بن أحمد التويسركاني
95
لئالي الأخبار
إدريس فطره فيأكل فيدعو ملك الموت إليه فيقول : لا حاجة لي فيه ثم يقومان يصلّيان وإدريس يصلّى ويفطر وينام وملك الموت يصلّى ولا ينام ولا يفطر فمكثا بذلك أياما ثم إنهما مرّا بقطع غنم وكرم قد أنيع فقال ملك الموت : هل لك ان تأخذ حملا أو من هذا عناقيد فتفطر عليه ؟ فقال : سبحان اللّه أدعوك إلى مالي فتأبى فكيف تدعوني إلى مال الغير ؟ ثم قال إدريس : قد صحبتنى وأحسنت فيما بيني وبينك من أنت ؟ قال أنا ملك الموت ، قال إدريس : لي إليك حاجة ؛ قال : وما هي ؟ قال تصعد بي إلى السماء فاستأذن ملك الموت ربه في ذلك ؛ فأذن له فحمله على جناحه ؛ فصعد به إلى السماء ؛ ثم قال له إدريس : ان لي إليك حاجة أخرى ؛ قال : وما هي ؟ قال : بلغني من الموت شدة فأحب أن تذيقنى منه طرفا فانظر هو كما بلغني فاستأذن ربه فأذن له فأخذ بنفسه ساعة ؛ ثم خلّى عنه فقال له : كيف رأيت ؟ فقال بلغني عنه شدّة وأنه لا شدّ ما بلغني ؛ ولي إليك حاجة أخرى ؛ قال وما هي ؟ قال : تريني النار فاستأذن ملك الموت صاحب النار ففتح له فلمّا رآها إدريس سقط مغشيا عليه ثم قال : لي إليك حاجة أخرى ؛ تريني الجنة فاستأذن ملك الموت خازن الجنة فدخلها فلما نظر إليها قال : يا ملك الموت ما كنت لا خرج منها إن اللّه تعالى يقول : « كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ » * وقد ذقته ويقول « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها » وقد وردتها ويقول في الجنة « وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها » فانظر إلى إدريس النبي صلى اللّه عليه واله كيف احتال على دفع الموت عنه ؛ وما ذلك إلا لكراهته له وسماعه بشدته ومرارته هكذا ذكر الوجه بعض المحقّقين فيه وفي غيره من الأنبياء والأولياء الذين يكرهون الموت ويحبون الحياة وطول عمرهم . والحق إنهم أرادوا بذلك تحصيل مزيد الدرجات والفوز بما لديه من المقامات والقربات التي أسبابها ومحالها قبل الموت لما يأتي في الباب التاسع في لؤلؤء الأشياء الستة التي شبّه بها موت المؤمن مفصلا من أن الموت للمؤمن وشيعتهم كنزع ثيابهم وسلّ الشعر من الدقيق بل كأطيب شئ يشمّه ؛ وكشرب الماء البارد في يوم الصائف ؛ فكيف يكون مرّا وشديدا عليهم حتى يفرّ وامنه ؛ ويكرهوا لقاء حبيبهم . ومما يدل عليه رواية نقله في الارشاد من أن سبب رفع إدريس إلى السماء ان ملكا بشره بالقبول والمغفرة فتمنى الحياة فقال له الملك : لم تمنيت ؟ قال لا شكر اللّه تعالى فقد كان حياتي لطلب القبول